أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

263

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الشيطان يخوفكم أنتم أولياءه أي : أولياء الركب أو أولياء أبي سفيان . والمشار إليه ب « ذلِكُمُ » هل هو عين أو معنى ؟ فيه احتمالان : أحدهما : أنه إشارة إلى ناس مخصوصين كنعيم وأبي سفيان وأشياعهما على ما تقدم . والثاني : أنه إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الركب وإرسال أبي سفيان وجزع من جزع ، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف مضاف أي : فعل الشيطان ، وقدّره الزمخشري : « قول الشيطان » أي : قوله السابق وهو « إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم » وعلى كلا التقديرين - أعني كون الإشارة لأعيان أو معان - فالإخبار بالشيطان عن « ذلِكُمُ » مجاز ، لأنّ الأعيان المذكورين والمعاني من الأقوال والأفعال الصادرة من الكفار ليست نفس الشيطان ، وإنما لما كانت بسبب وسوسته جاز ذلك . قوله : يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ قد تقدّم ما محلّه من الإعراب ، والتضعيف فيه للتعدية ، فإنه قبل التضعيف متعدّ إلى واحد وبالتضعيف يكتسب ثانيا ، وهو من باب أعطى ، فيجوز حذف مفعوليه أو أحدهما اقتصارا واختصارا ، وهو في الآية الكريمة يحتمل أوجها : أحدها : أن يكون المفعول الأول محذوفا تقديره : يخوّفكم أولياءه ، ويقوّي هذا التقدير قراءة ابن عباس وابن مسعود هذه الآية كذلك ، والمراد بأوليائه هنا الكفار ، ولا بد من حذف مضاف أي : شرّ أوليائه ، لأنّ الذوات لا يخاف منها . والثاني : أن يكون المفعول الثاني هو المحذوف ، و « أَوْلِياءَهُ » هو الأول ، والتقدير : يخوّف أولياءه شر الكفار ، ويكون المراد بأوليائه على هذا الوجه المنافقون ومن في قلبه مرض ممّن تخلّف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الخروج ، والمعنى : أنّ تخويفه بالكفار إنما يحصل للمنافقين الذين هم أولياؤه ، وأما أنتم فلا يصل إليكم تخويفه . والثالث - ذكره بعضهم - أن المفعولين محذوفان ، و « أَوْلِياءَهُ » نصب على إسقاط حرف الجر ، والتقدير : يخوّفكم الشرّ بأوليائه ، والباء للسبب أي : بسبب أوليائه ، فيكونون هم آلة التخويف ، وكأن هذا القائل رأى قراءة أبيّ والنخعي : « يخوّف بأوليائه » فظنّ أن قراءة الجمهور مثلها في الأصل ، ثم حذفت الباء ، وليس كذلك ، بل تخريج قراءة الجمهور على ما تقدّم ، إذ لا حاجة إلى ادّعاء ما لا ضرورة له . وأمّا قراءة أبيّ فتحتمل الباء أن تكون زائدة كقوله : 1501 - . . . * سود المحاجر لا يقرأن بالسّور « 1 » فتكون كقراءة الجمهور في المعنى ، ويحتمل أن تكون للسبب والمفعولان محذوفان كما تقدّم تقريره . قوله : فَلا تَخافُوهُمْ في الضمير المنصوب ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه يعود على أوليائه أي : فلا تخافوا أولياء الشيطان ، هذا إن أريد بالأولياء كفار قريش . والثاني : أن يعود على « الناس » من قوله : « إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ » إن كان المراد بأوليائه المنافقون . والثالث : أن يعود على الشيطان على المعنى . قال أبو البقاء : « إنما جمع الضمير لأنّ الشيطان جنس » . والياء في قوله : « وَخافُونِ » من الزوائد ، فأثبتها أبو عمرو وصلا ، وحذفها وقفا على قاعدته ، والباقون يحذفونها مطلقا . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جوابه محذوف أو متقدّم عند من يرى ذلك وهذا من باب الإلهاب والتهييج ، وإلّا فهم متلبّسون بالإيمان .

--> ( 1 ) تقدم .